Magellan: جمال العالم الأصغر رافقه سفك دماء
مانهولا دارغيس- نيويورك تايمز
Wednesday, 14-Jan-2026 06:40

يؤدّي غايل غارسيا برنال دور المستكشف فرناندو ماجلان، في بورتريه يقدّمه لاف دياز لمغامر دموي ورحلاته عبر العالم. في «ماجلان»، الحُلم السينمائي المسكون الذي يقدّمه لاف دياز عن محاولة فرناندو ماجلان الإبحار حول العالم، تُرسَم إنجازات المستكشف البرتغالي الشهيرة بصورة انتقائية.

يجسّده غايل غارسيا برنال بصرامة لافتة، فيظهر هذا الفرناندو في آنٍ غامضاً وواضحاً، رجلاً من عصره، ونذيراً للمستقبل، وأداةً للرعب. هو زوج وأب، غير أنّ دياز أقل اهتماماً بشؤونه الشخصية منه بمعنى مفاهيم مثل «الاكتشاف»، وبما تُنذِر به حين تَفرِض جماعة من الناس نفسها بعنف على أخرى، ممّا يجعل الحكاية قصة عن الإمبريالية.
صار العالم أصغر بكثير عندما أنهت سفينة وحيدة من بعثة ماجلان رحلتها حول الكرة الأرضية بعد 3 سنوات شاقة على نحو مرعب. حين عادت السفينة «فيكتوريا» إلى إسبانيا عام 1522، كانت البعثة قد فقَدت عدة سفن أثناء عبورها المحيطات، وتسلّلها عبر مضيق بالغ الخطورة، وإبحارها عشرات آلاف الأميال. كان معظم أفراد الطاقم قد ماتوا، وكذلك ماجلان نفسه، الذي قُتل عن عمر 41 عاماً على يَد سكّان أصليِّين. إذ طالبهم بالخضوع لمصالحه، وقاد مجموعة صغيرة لمهاجمتهم، فكان ردّ السكان بالمثل، لتنتهي مغامراته. وبعد عام ونصف، أكمل أفراد الطاقم الناجون الرحلة.
تنتشر الجثث على الأرض عندما يظهر فرناندو، مثخناً بالجراح ومرتدياً درعاً معدنياً على الصدر، للمرّة الأولى على الشاشة. نحن في عام 1511، في أعقاب الحملة البرتغالية الناجحة للاستيلاء على مدينة ملقا المينائية في ماليزيا. وعلى رغم من أنّ دياز يدرج الأزمنة وأسماء الأمكنة في أنحاء الفيلم، بوصفها إحداثيات سردية مفيدة، فإنّ حكايته أقرب إلى الإيحاء منها إلى التوثيق الموسوعي. فهو يمرّ سريعاً على أحداث تاريخية ويتجاهل مسافرين محوَريِّين، وتدخل الشخصيات أحياناً وتخرج من دون تقديم وافٍ. كما أنّها لا تُقدِّم الدروس السهلة والملخّصات الجاهزة المألوفة في الأفلام الأكثر تقليدية؛ ومن المريح ألّا يُخاطَب المتفرّج بروح الاسترضاء.
هنا، يَميل التاريخ والحكاية إلى الالتقاء في لحظات متبلورة: في الوجوه، الإيماءات، الأفعال، والكلمات القاسية الفجّة. غير أنّ أكثر ما يبلّغ به دياز فكرته بطريقة لافتة هو الجمال الخالص لصورِه. الفيلم في كثير من الأحيان آسر بصرياً، وفي لحظات يخطف الأنفاس بروعته، ولا سيما في عرضه للعالم الطبيعي، الذي قد يتّسم بنعومة بصرية تعمّق الإحساس بالعالمية الغريبة. الإطار المربّع يركّز نظرك بإحكام، وكذلك حركات الكاميرا المحدودة. وحين تتحرّك الكاميرا فعلاً، قد يكون الأثر صادماً، كما في دفعٍ مبكر هادئ داخل خليجٍ أخضر يانع، يلمّح إلى كيف بدا هذا «العالم الجديد» المزعوم من على سطح سفينة.
وفي أوقات أخرى، يستحضر استخدام دياز لتكوينات على طريقة «اللوحة الحيّة» وتلاعبه بالضوء والظل بعض لوحات عصر النهضة، تذكيراً بالعالم الذي أنجب فرناندو. يرسم دياز ذلك العالم بسرعة وقسوة.
بعد ظهور فرناندو بقليل، ينتقل القطع إلى رجل يحتضن زجاجة ويترنّح داخل مشهد مجزرة، كأنّه ثمل بعد ليلة مروّعة في المدينة. إنّه ألفونسو دي ألبوكيرك (روجر كوزا)، الجنرال البرتغالي الذي قاد الهجوم على ملقا. بعد جرعةٍ من الشراب، يخاطب فرناندو والجنود الآخرين، ثم يفقد وعيه ويسقط في التراب، فيما ينفجر الجنود ضاحكين.
في هذا المشهد كوميديا عبثية: هكذا إذاً أمجاد عصر الاكتشاف! يكاد المرء يضحك مع فرناندو والآخرين لولا أنّ المشهد برمّته (الموتى المدمَّرون، الأحياء المنتصرون، وطَيف المستقبل الاستعماري) قاتم إلى حدٍّ بالغ. غير أنّ دياز لا يشجّع على الشفقة ولا على الغضب. بدلاً من ذلك، يحافظ في معظم الوقت على مسافة محسوبة، شبه تحليلية.
كما أنّ تصوّره غير البطولي وغير النفسي للمستكشِف، إلى جانب حضور برنال الصلب الثقيل وأدائه المنفّر عمداً، يُبقِيان المشاهد على مسافة. الأكثر تعبيراً بكثير هو خادم فرناندو المستعبَد، إنريكي (أمادو أرجاي بابون)، الذي يغدو رفيق سفر مختلفاً جذرياً، أخلاقياً وسياسياً.
مع ذلك، لا يخلو الفيلم من الدراما، ولا من التوتّر أيضاً، بما في ذلك حين يعود فرناندو إلى البرتغال، حيث يتعافى من جرح غرغريني (كان التعفّن قد بدأ فعلاً)، ويتزوّج امرأة أصغر منه بكثير، بياتريس (أنغيلا أزيفيدو)، ويحصل على مسار جديد نحو جزر التوابل (المعروفة بإندونيسيا) طلباً للشرف والثروة. تتذكّر بعض السرديات التاريخية ماجلان لمغامراته وطموحاته وصلابته وبراعته الملاحية، وكذلك لما يُنسب إليه من «اكتشاف» مجتمعات قائمة. أمّا دياز فيسخر بدلاً من ذلك من الرجل ومن الأساطير المألوفة المتضخّمة سياسياً والممجّدة للذات. في مشهدٍ طريف على نحو مقلق يقطّر وجهة نظر دياز، يناقش المستكشف وأحد معاونيه احتمال مسار جديد للتوابل وكيف سيبيعان خطتهما للملك البرتغالي. يضحكان ويكرّران: «نعمل لجشعه».
في النهاية، يتوجّه فرناندو إلى الملك الإسباني لتمويل البعثة، وسرعان ما ينطلق في رحلته الطويلة الشاقة. يُعيد دياز تمثيل بعض الدراما التي أعقبت ذلك على متن السفن (وقعت تمرّدات)، ويتجاوز بعض التفاصيل القاتمة. (عندما نفد الطعام، دخلت فئران السفن قائمة الطعام). بدلاً من ذلك، وكما يفعل منذ البداية، يعود دياز مراراً إلى الأماكن والناس الذين التقاهم فرناندو وطاقمه واستغلّوهم وذبحوهم أحياناً. للمستكشف لحظات انتصار، منها حملته لتحويل بعض السكان الأصليِّين إلى المسيحية، وهي مساعٍ تُسهِم في هلاكه. غير أنّ شيئاً لا يُعبِّر عن اتساع مغامراته ومداها بقوّة النظرة المرعبة التي تملأ وجه امرأة من السكان الأصليِّين، حين ترفع بصرها في يومٍ مسالم لترى بداية نهاية عالمها.

الأكثر قراءة